5 أعضاء من هيئة الحقيقة والكرامة يوجهون رسلة مفتوحة الى رئيس مجلس نواب الشعب - فيديو مواقع بلا حدود

إعلان اعلى المقالة

الثلاثاء، 17 نوفمبر 2020

5 أعضاء من هيئة الحقيقة والكرامة يوجهون رسلة مفتوحة الى رئيس مجلس نواب الشعب

 


نكران العدالة لضحايا الاستبداد سيغذي دوّامة العنف

سيدي رئيس مجلس نواب الشعب،

لقد أثار حديثكم الأخير الذي بُثّ على القناة الوطنية الأولى مساء الأحد8 نوفمبر الجاري استغراب وحيرة أوساط واسعة من المنخرطين في استكمال مسار العدالة الانتقالية من ضحايا وجمعيات المجتمع المدني ونشطاء . كما أثار شديد الأسف تبنيكم خلاله تسمية هيئة الحقيقة والكرامة بــهيئة «بن سدرين» التي طالما روجها المناوئون للمسار عبر الإعلام الموروث عن الاستبداد قصد الإساءة،


ويهمنا نحن الممضين اسفله، اعضاء هيئة الحقيقة والكرامة، المنتخبين من المجلس التأسيسي، السلطة التي أقرت القانون الاساسي عدد 53 لسنة 2013 المحدث لهذه الهيئة والمضمن بالدستور التونسي في فصله 148، التذكير انه من سمات رجال الدولة احترام مؤسساتها.

سيدي رئيس مجلس نواب الشعب،


إنّ مدعاة استغرابنا أكثر هي مؤاخذتكم هيئة الحقيقة والكرامة بسبب إحالتها 1426 متهما على الدوائر القضائية المتخصصة في العدالة الانتقالية إنصافا لـ 29950 من الضحايا وذلك بقرار من مجلسها، مستندا على ما حصل لديه من إثباتات بعد البحث والتقصي والاستماع إلى الضحايا والمتهمين والشهود الذين استجابوا لاستدعاءات الهيئة وفق أحكام القانون.


وقد اعتبرتم «فشلا» إصرارنا على توجيه التهمة الى 923 منسوب اليهم جريمة القتل العمد و428 متهم بالاغتصاب والتعذيب و9 متهمين بالاعتداء على الحرية الشخصية (في حق الرئيس الحبيب برقيبة) و66 متهم بالاعتداء على المال العام في حق الدولة التونسية. وظلوا مفلتين من العقاب قبل ثورة الحرية والكرامة.

ثم أبديتم الأسف الشديد من أن «ينجر هؤلاء من محكمة إلى أخرى» … علما وأن السواد الأعظم من هؤلاء «المساكين» استطاع إلى حد الآن أن يتحدّى القضاء تلبية لدعوات النقابات الأمنية وغلاة المنظومة القديمة، كما لم يصدر بعد عن الدوائر القضائية المختصة أي قرار في الإيداع بالسجن كإجراء تحفظي معمول به في القضاء العادي بالنسبة لمتهمين بالقتل العمد…

سيدي رئيس مجلس نواب الشعب،

لقد تسنّى لشخصكم أن تُعاينوا خلال حضوركم لعدد من جلسات الدوائر القضائية المتخصّصة في العدالة الانتقالية، نُصرةً لصنف من الضحايا، أنّ معاملة تونس الجديدة «للمساكين» المنسوب إليهم الانتهاكات تُعدُّ مفخرة للجميع خصوصا أنّ حضور الضحايا وممثّليهم هذه الأطوار لم يرافقه أيّ مظهر من مظاهر الثأر أو التشفّي… رغم العراقيل وطول الآجال. وفي المقابل شهدنا تنامي خطاب الكراهية والحقد ضد ضحايا الاستبداد من طرف مناصري المنسوب إليهم الانتهاك المُحالين.


هل يُصدّق المرء اعتباركم قرار مجلس الهيئة توجيه التهمة الى من تورط في القتل العمد ومن بينهم المسؤولين على اختطاف كمال المطماطي وتعذيبه حدّ الموت وإخفاء جثّته إلى اليوم بمثابة الـ «ملاحقة القضائية»؟ وهل يصدّق المرء إنكاركم لمساءلة المنظومة الإجرامية التي تمركزت في نابل وتسببت في القتل العمد وتعذيب واغتصاب عشرات المواطنين من بينهم فيصل بركات ورشيد الشماخي؟ أو هل يصدّق المرء أنّ تتبع تلك العصابة التي قامت بتصفية نبيل بركاتي في قعفور من قبيل "الشطط"؟ أو المجرمين الذين تسببوا في تعذيب آلاف الضحايا من النقابيين في الخميس الأسود او ضحايا أحداث الخبز والحوض المنجمي وأحداث الرش بسليانة وأحداث الثورة؟ وهل أنّ تسليط الضوء على اغتيال صالح بن يوسف من باب التعسف على من اغتاله؟

لقد استكملت هيئة الحقيقة والكرامة مهامها وأحالت 200 قضية على الدوائر القضائية المتخصصة، ومن الطبيعي والمفيد والصحي أن يتولى التونسيون بكل حرية تقييم أعمالها وإبداء الرأي في أداءها كمرفق عمومي، في كنف الحرية دون أن يصبّ ذلك في باب محاولة التأثير على استقلال قرارها مثلما حدث خلال تناول مجلسها القرار الإطاري لجبر الضرر.

سيدي رئيس مجلس نواب الشعب،

إنّه من المفيد التذكير بما جاء برسالة السيد بابلو دي قريف، المقرر الخاص المعني بتعزيز الحقيقة والعدالة والجبر وضمانات عدم التكرار، الى الحكومة التونسية في30 أفريل 2018 بعلاقة بمشروع قانون المصالحة قال فيها: « المصالحة ليست شيئًا يمكن أن "تمنحه" الدولة، ولكنها نتيجة لمسار اجتماعي ينجم عن تنفيذ اجراءات تعزز الحقيقة والعدالة وجبر الضرر وضمانات عدم التكرار ... ولا ينبغي تصور المصالحة كبديل عن العدالة أو كهدف يمكن تحقيقه بشكل مستقل عن التنفيذ الشامل لهذه الإجراءات الأربعة للعدالة الانتقالية ... يمكن لتدابير العدالة الانتقالية أن تبني الثقة في مؤسسات الدولة وتخلق رصيد اجتماعي إيجابي، وتعيد تأكيد التزامها بالمبادئ التي قوضتها انتهاكات وتجاوزات حقوق الإنسان في الماضي. »

سيدي رئيس مجلس نواب الشعب،

في هذا الظرف العصيب يأتينا كل يوم نبأ وفاة أحد ضحايا الاستبداد وهم يعانون الخصاصة في غياب أفق جبر ضررهم من قبل الدولة.

لقد عبتم على الهيئة «أنّ الضحايا لم يعوض لهم بشيء». فلا يغيب على رئيس مجلس نواب الشعب أنّ مهمّة صرف التعويضات المستحقّة للضحايا وتنفيذ قرارات جبر الضرر ليست موكولة الى هيئة الحقيقة والكرامة بل هي مسؤولية الحكومة التي لم تفعّل صندوق الكرامة منذ أكثر من سنتين ونصف وكان عليكم بصفتكم رئيس مجلس نواب الشعب (يتمتّع بثقة غالبية النوّاب) أن يلتزم بالواجبات المحمولة على المجلس بــــ«إحداث لجنة برلمانية خاصة للغرض» تتولى «مراقبة مدى تنفيذ الحكومة للتوصيات الواردة بالتقرير الختامي" (الفصل 70 ) وهو ما لم يحدث إلى الآن.

سيدي رئيس مجلس نواب الشعب،

لقد أثرتم خلال حديثكم مثال التشيلي وجنوب إفريقيا كأمثلة تجاوزت المساءلة القضائية، في حين أنّه غاب عنكم ان كلا البلدين يعيشان اليوم استئناف المسارات القضائية. فبعد تعثر مسار العدالة الانتقالية في التشيلي بسبب العفو على المجرمين وعدم إنصاف الضحايا، تم استئناف المسار القضائي بعد أكثر من عشرين سنة لمحاسبة الجناة وقد أدان القضاء التشيلي يوم 9 نوفمبر الجاري 11 عسكريا من بينهم ضابط سامي من أجل القتل العمد في حق خمسة عشر من المعارضين في عام 1973.


أمّا فيما يتعلق بجنوب افريقيا، فقد تمّ نشر التقرير النهائي للجنة الحقيقة والمصالحة في عام 2003 وأُحيلت 300 قضية إلى النيابة العامة تتعلق بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. إلا أنّه اتضح بعد عقدين أن "التدخل السياسي" قد أعاق المسار القضائي. وفي عام 2017 أعيد فتح التحقيق مع قضية تيمول وأصدر القاضي بيلي موثل حكما تاريخيا في 12 اكتوبر 2017 وألغى البحث الذي استنتج بأن أحمد تيمول انتحر بل أقرّ أنّه اغتيل على أيدي أفراد أمن نظام الأبارتهايد سنة 1972 بعد تعذيبه.


وقد أكد فيليب قوفين، رئيس الجلسة في الدورة الخاصة لمجلس الأمن لمنظمة الأمم المتحدة المنعقدة يوم 13 فيفري 2020 للنظر في العدالة الانتقالية كأفضل آلية لفض النزاعات سلميا في المراحل الانتقالية بعد الاستبداد على أنّ «المقاربة الشاملة للعدالة الانتقالية تقتضي ألا تعالج الركائز الأربع لهذه العدالة - الحقيقة والعدالة والجبر وضمانات عدم التكرار - بشكل مستقل عن بعضها البعض، وللمجلس دوره في تعزيز هذا النهج الشامل. »

كما أكدت في نفس الدورة السيدة ميشال باشليت (رئيسة جمهورية التشيلي سابقا)، مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان على «أنّ المطالبة بالعدالة، إذا رُفضت، لن تختفي... وأن هذا الفشل في جعل عمليات العدالة مستدامة كان عاملاً في تجدّد العنف ... وتتمثل إحدى طرق الفشل في النظر إلى مطالب الضحايا المشروعة بالعدالة على أنها إلهاء غير مرحب به يمكن خنقه أو تأجيله إلى أجل غير مسمى... وأي فشل في الانخراط في مثل هذه المسارات لن يحلّ النزاعات ولكنّه سيمهّد الطريق لعودة ظهورها».

سيدي رئيس مجلس نواب الشعب،

أنتم محقّون في البحث عن المصالحة، لكن هل أنّ منهجكم هو السليم والناجع في بلوغ هذا الهدف السامي؟ هل تمعنتم في توصيات الهيئة التي تُمكّن من تحقيق المصالحة؟ هل تساءلتم عن سبب تنامي عدد الإرهابيين من الشباب التونسي في تونس وخارجها وعلاقة هذه الظاهرة بعنف الدولة اللاقانوني الذي مورس طيلة عقود مع ضمان الإفلات من العقاب؟ هذا العنف الذي خلف «غابة من الأحقاد» وشرخا عميقا بين التونسيين لا يُعالج بتبييض المتسببين فيه وتكريمهم بإرجاعهم الى دواليب الدولة التي عبثوا بها، بل بمساءلتهم عمّا اقترفوه في حق الدولة والمجتمع وترك القضاء يقول كلمة الفصل دون التدخل في أعماله.

سيدي رئيس مجلس نواب الشعب،

إننا إذ كنّا قد ثمّنا ما ورد في البلاغ الصادر عن دوانكم بتاريخ 23 جوان 2020 بمناسبة تسلّمكم تقرير التصفية لـ«هيئة الحقيقة والكرامة» وكنتم قد صرّحتم بتمسككم بضرورة "استكمال مسار العدالة الانتقالية من اجل طي صفحة الماضي" فنحن نأمل منكم تفعيل الإصلاحات التي أوصت بها هيئة الحقيقة والكرامة، وخاصة منها تلك التي تتعلق بالمؤسسات الأمنية والقضائية، السبيل الوحيد الكفيل بتحقيق المصالحة وضمان عدم تكرار العنف وإخماد صوت الأحقاد.


تونس في 17 نوفمبر 2020

محمد بن سالم، حياة الورتاني، عادل المعيزي، خالد الكريشي، سهام بن سدرين

المصدر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *